تقزيم المفاهيم الكبرى

لعل من أشد ما ابتليت به أمتنا الإسلامية خاصة في زماننا هو النظر إلى مفاهيم كبرى مهمة جداً نظرة ساذجة سطحية وارتباط هذه المفاهيم الكبرى في الأذهان  بصور صغيرة جزئية على أنها الصورة كلها.

فالحرية مثلا قيمة إسلامية عالية جدا، وهل جاء الإسلام أصلا إلا لتحرير الإنسان من كل عبودية سوى الله، لكنك للأسف عندما تبحث في هذه القيمة في الأذهان نخبة وعامة _إلا من رحم ربي_ ترى أن النظر للحرية يأتي من زاوية الخوف منها لا المطالبة بها والعمل على إحيائها.

وكذلك الأمر مع مفاهيم كبرى أخرى فتم تقزيم قيمة العلم إلى العلم الشرعي فقط، فالعالم في ذهن المسلم هو عالم الشريعة وطالب العلم هو طالب العلم الشرعي!
وتم تقزيم العمل الصالح إلى العبادات المحضة فصورة الرجل الصالح هو ذلك الرجل المتعبد، دون الرجل المثقف المنفتح على الآخر، المجتهد في مساعدة غيره، الأمين المتقن لعمله، وغير ذلك من أعمال صالحة مطلوبة.

وتم تقزيم تطبيق الشريعة بإقامة الحدود،  مع أن إقامة الحدود جعلت لحماية الشريعة عند تطبيقها ولكنها ليست هي كل الشريعة المطلوبة.

وتم تقزيم مشكلة الانحطاط الأخلاقي بالجانب الجنسي فالأمم التي تشيع فيها الفاحشة هي المنحطة أخلاقيا والتي لا تشيع فيها الفاحشة هي على خير!، ولو كان الكذب سائدا، ولو كانت الرشوة أصلا، ولو كان الغش مقبولا، ولو كان الظلم سائغا، ولو كان الاستبداد ثقافة …كل هذا لا يهم!

وتم تقزيم مشاكل الأمة كلها بالجانب السياسي فإذا ما وصل الإسلاميون إلى الحكم حلت جميع مشاكلنا!، وأهملت جوانب أخرى متاحة بشكل أكبر كتصحيح الفكر، وغرس القيم، وتعديل السلوك، وتماسك المجتمع ورفع الوعي، كل هذا لا يتم العمل عليه حتى في المناطق التي تخضع لحكم الإسلاميين منذ سنين في المناطق المحررة في سورية.

تقزيم المفاهيم يشوه صورة الإسلام ويقدم له نسخة غير حقيقية بخلاف صورته التي تجلت في العصور الذهبية للأمة فسادوا العالم بعد أن فتح الإسلام العقول والقلوب قبل الحصون والبلاد.

د. وائل الشيخ أمين

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *